تأثير السوشيال ميديا على الشباب
قبل أن تقرأ هذه المقالة، أجب عن سؤال واحد بصدق:
آخر مرة جلست فيها مع ابنك أو ابنتك على مائدة الطعام كان هاتفه بجانب طبقه أم في غرفته؟
إذا كانت الإجابة "بجانب طبقه" فهذه المقالة لك تحديداً.
وإذا كانت "في غرفته" فهي لك أيضاً لأن المشكلة لا تبدأ من المائدة.
خمسة فرق بحثية من كندا وهولندا وقطر والهند أمضت سنوات تدرس هذا السؤال بدقة علمية بعيداً عن العواطف والمبالغات. وما وجدوه يستحق أن يُقرأ بتمعّن.
أولاً : من هم هؤلاء الشباب الذين ندور حولهم؟
قبل الأرقام، ثمة حقيقة نمائية يجب أن نفهمها.
الباحثان شمسدين وغفور من مؤسسة الرعاية الصحية في قطر، في دراستهما المنشورة عام 2025، يُوضّحان أن المراهق ليس إنساناً بالغاً صغير الحجم. عقله لا يزال في طور البناء، ودوائره العصبية المسؤولة عن ضبط الانفعالات واتخاذ القرار لم تكتمل بعد. وهو في الوقت ذاته يمرّ بأحرج مراحل تشكيل هويته، يبحث عن مكانه بين أقرانه ويلتمس قبولهم بشكل لا يتكرر في أي مرحلة عمرية أخرى.
هذا الكائن العجيب الجميل الواقف بين الطفولة والرجولة هو من يُسلَّم هاتفاً ذكياً يفتح له أبواب عالم لا حدود له، بلا حارس ولا دليل.
ويُضيف الباحثان أن ثمة ثلاثة أبعاد تُشكّل تجربة المراهق على السوشيال ميديا:
البُعد النمائي: حساسيته المتصاعدة للمؤثرات الاجتماعية تجعله يتأثر بما يراه على الشاشة بعمق أكبر بكثير مما يتأثر به البالغ.
البُعد الثقافي: ما يراه المراهق العربي يختلف عما يراه المراهق الغربي، والضغط الجمالي على الفتيات في السعودية يختلف عن نظيره في النرويج لكنه موجود في كلتا الحالتين، وإن تبدّل شكله.
بُعد الإجهاد الرقمي: الاتصال الدائم بالشاشة يُولّد ضغطاً متراكماً صامتاً، يتراكم يوماً بعد يوم حتى يظهر فجأة في صورة اضطراب نفسي أو جسدي.
ثانياً : ما الذي تقوله الأرقام الكبيرة؟
فريق جامعة ألبرتا الكندية عام 2025 لم يكتفِ بإجراء دراسة واحدة. بل جمع ثلاثة وأربعين مراجعة علمية نُشرت بين 2020 و2024، شملت أعمال مئات الباحثين من أرجاء العالم، وحلّلها جميعاً في بحث واحد.
والنتيجة التي خرج بها لا تقبل الجدل:
الغالبية العظمى من الأبحاث تربط الاستخدام المفرط للسوشيال ميديا بالاكتئاب والقلق. وأن هذه العلاقة تزداد قوةً مع كل ساعة إضافية يقضيها الشاب على هاتفه. كما رصد الفريق أن الاكتئاب والقلق كانا الأكثر حضوراً في الأبحاث، يليهما التفكير بإيذاء النفس، ثم عدم الرضا عن صورة الجسد.
لكن الباحثين أنفسهم كانوا صادقين في الإشارة إلى حدود ما يمكن استنتاجه: معظم هذه الدراسات لا تستطيع إثبات أن السوشيال ميديا هي السبب المباشر. ما تستطيع إثباته هو أن الارتباط موجود وقوي وهذا وحده يكفي لأخذ الموضوع بجدية تامة.
ثالثاً : الاكتشاف الذي غيّر كل شيء
لسنوات كان السؤال المطروح: كم ساعة يقضي شبابنا على السوشيال ميديا؟ وكانت الإجابة المعتادة: قلّل من الوقت وستتحسن الأمور.
لكن جامعة أوتاوا الكندية جاءت عام 2022 بما يُعيد رسم الصورة من أساسها.
الفريق البحثي بقيادة الدكتورة Synthia Guimond درس بيانات تسعة آلاف وأكثر من مئتي شاب وشابة من ثماني دول مختلفة، جمّعها من ثمانية عشر دراسة مستقلة منشورة في قواعد بيانات علمية معتمدة.
وما وجده الفريق قلب المعادلة:
المشكلة ليست في عدد الساعات. المشكلة في نوع الاستخدام تحديداً.
وهم يُسمّون النوع الخطير: الاستخدام الإشكالي وهو حين تتحول السوشيال ميديا إلى سلوك يشبه الإدمان الحقيقي بكل معاني الكلمة:
الشاب يُحاول التوقف ولا يستطيع. يشعر بقلق وفراغ حين يُبعَد عن هاتفه. بدأت السوشيال ميديا تزاحم نومه ودراسته وعلاقاته بمن يحب. ويلجأ إليها في كل حالة سعيداً كان أم حزيناً أم قلقاً أم فارغاً.
وحين قاس الباحثون هذا النوع تحديداً، كانت النتائج:
ارتباط واضح بالاكتئاب بمعامل ارتباط 0.27
وارتباط أقوى بالقلق بمعامل 0.35
وارتباط بالضغط النفسي بمعامل 0.31
وكل هذه النتائج بدلالة إحصائية تجعل احتمال أن تكون مجرد صدفة أقل من واحد في الألف.
والأكثر إثارة: هذه الارتباطات لم تتغير بتغيّر عمر الشاب أو جنسه. يعني الخطر لا يستثني أحداً.
رابعاً : كيف تستخدمها أهم مما تقضي فيه
جامعة أمستردام الهولندية بقيادة الأستاذة Patti Valkenburg ذهبت خطوة أبعد عام 2022. لم تدرس الشباب مباشرةً، بل حلّلت خمساً وعشرين مراجعة علمية كاملة دفعةً واحدة.
وخرجت بتمييز جوهري غيّر طريقة النظر إلى المسألة:
الاستخدام السلبي أن تجلس تتصفح في صمت، تنظر إلى وجوه مُصفّاة وحياتٍ منتقاة وأجسادٍ مُعدَّلة، وتقيس نفسك بما ترى. هذا النوع هو الأكثر ارتباطاً بتدهور الصحة النفسية.
الاستخدام النشط أن تتواصل فعلياً مع أشخاص حقيقيين، تتعلم شيئاً يشغلك، تُشارك تجربةً ذات معنى. هذا النوع يرتبط في الغالب بمستويات أفضل من الرفاهية النفسية.
والرقم الأكثر مفاجأةً في هذه الدراسة: وقت الاستخدام لا يُفسّر إلا ستة بالمئة فقط من أسباب الإدمان.
يعني: ساعة واحدة من التصفح السلبي والمقارنة القاسية قد تكون أشد ضرراً من ثلاث ساعات من التواصل الحقيقي والتعلم الهادف.
وشيء آخر مهم من هذه الدراسة: أكثر من سبعين بالمئة من الشباب لا يتأثرون سلباً بشكل ملموس أصلاً. وثمة عشرة إلى خمسة عشر بالمئة يتأثرون سلباً، وعشرة إلى خمسة عشر بالمئة يتأثرون إيجاباً. يعني السوشيال ميديا مرآة تعكس ما في الداخل وتُضخّمه خيراً كان أم شراً.
خامساً : ماذا قال الشباب بأنفسهم؟
كل ما سبق كان أرقاماً واستنتاجات. لكن جامعة أميتي الهندية عام 2024 أعطتنا شيئاً مختلفاً أصوات الشباب أنفسهم.
الفريق البحثي بقيادة Pooja Puri جلس مع مئتين وأربعة شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين الرابعة عشرة والثالثة والعشرين في الهند، وسألهم بأسئلة مباشرة وصريحة.
عن الصورة والضغط الاجتماعي:
قال تسعة وخمسون بالمئة منهم إنهم يشعرون بضغط مستمر للحفاظ على صورة معينة تلتزم بمعايير الجاذبية والنجاح التي تفرضها المنصات. وأفاد خمسة وخمسون بالمئة بأنهم يشعرون بقلق مباشر مرتبط بعدد المتابعين والإعجابات. فكّر: أكثر من نصف هؤلاء الشباب يقيسون قيمتهم الذاتية برقم على الشاشة.
عن الصمت والخوف:
الرقم الأكثر إيلاماً في الدراسة كله: ثلاثة وخمسون بالمئة من هؤلاء الشباب يُحجمون عن نشر آرائهم الحقيقية على السوشيال ميديا خشية الانتقاد. جيل كامل يصمت لا لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأنه يخاف الشاشة.
عن النوم:
نسبة كبيرة أفادت باضطراب واضح في نومها بسبب التمرير القهري منتصف الليل. واضطراب النوم ليس مجرد إرهاق فالدراسات تُثبت أن النوم المتقطع في مرحلة المراهقة يُضاعف احتمالات الاكتئاب والقلق مستقبلاً.
عن التنمر الإلكتروني:
خمسة وستون بالمئة من المشاركين إما تعرّضوا للتنمر الإلكتروني بصورة مباشرة أو شهدوا آخرين يتعرّضون له. والفارق الجوهري بين هذا النوع من التنمر والتنمر التقليدي أنه لا يتوقف عند بوابة المدرسة بل يدخل مع الشاب إلى بيته وغرفته ووسادته، ويُواصل أذاه في كل ساعة.
سادساً : الجسد والهوية تحت حكم الشاشة
رصدت دراسة جامعة ألبرتا والدراسة القطرية معاً ظاهرة تتسع يوماً بعد يوم لا يمكن تجاهلها:
المنصات المرئية كإنستغرام وتيك توك تعرض يومياً آلاف الصور لأجساد مُعدَّلة رقمياً ووجوه مُصفّاة بفلاتر متطورة وحياتٍ مُصمَّمة للإبهار لا للصدق. وحين يُشاهد المراهق هذا المحتوى ساعاتٍ يومياً يتسلل إلى عقله تدريجياً مقياسٌ ظالم يقيس به نفسه وجسده وحياته.
والنتيجة كما رصدتها الأبحاث: اضطرابات في الأكل، وعدم رضا متصاعد عن صورة الجسد، وانخفاض في الثقة بالنفس. والفتيات أكثر تضرراً من هذا الجانب تحديداً وإن لم يكنّ الوحيدات.
ويصف الباحثان القطريان هذا بـ"العاصفة المثالية": حين يلتقي تصميم المنصة الخوارزمي الذي يُغذّي المقارنة، بهشاشة المراهق النمائية، بمعايير الجمال المجتمعية فإن الأثر يكون أعمق مما يبدو ظاهرياً.
سابعاً : لكن ثمة وجه مضيء
الأبحاث الخمسة اتفقت على شيء جوهري: السوشيال ميديا ليست شراً مطلقاً ولا يجب أن تُعامَل كذلك.
فكم من شاب في مجتمع ضيّق فتحت له نافذةً على العالم. وكم من مصاب بمرض نفسي وجد على الإنترنت من يفهم جرحه ويُقلّل من وصمة مرضه. وكم من وحيد وجد فيها أُنساً حقيقياً. وكم من طالب تعلّم منها مهارةً غيّرت مساره.
دراسة جامعة ألبرتا وجدت أدلةً واضحة على أن شبكات الدعم الرقمي أسهمت فعلاً في تحسين الصحة النفسية لمن انخرطوا فيها بشكل حقيقي. والمنصات باتت تُستخدم بشكل متزايد لنشر استراتيجيات التعامل مع الضغط ومحتوى الصحة النفسية وتوفير دعم لمن لا يجدونه في محيطهم.
ثامناً : من هو الأكثر عرضة للخطر؟
الأبحاث الخمسة تُجمع على هذه العوامل:
الشاب الذي يستخدمها للهروب حين تصبح السوشيال ميديا المكان الذي يلجأ إليه كلما شعر بألم أو وحدة أو ضيق، لا للتواصل بل للتخدير. هذا النمط تحديداً يُعمّق المشكلة النفسية بدلاً من أن يُخفّفها.
الشاب الذي يربط قيمته بالأرقام من يقيس نجاحه بعدد المتابعين وإعجاباته يعيش في حالة من عدم الاستقرار النفسي المستمر لأن هذه الأرقام متقلبة بطبيعتها.
الشاب الذي يعاني من هشاشة سابقة من يفتقر إلى دعم أسري قوي أو يعاني من اضطراب نفسي غير مُعالَج يجد في السوشيال ميديا مُضاعِفاً لمشكلاته لا مُخفِّفاً لها.
الشاب الذي يتصفح سلبياً من يقضي وقته يرى ولا يتفاعل، يقارن ولا ينتج، يستهلك ولا يُشارك.
تاسعاً : ماذا يقترح العلم؟
استناداً إلى توصيات الأبحاث الخمسة مجتمعةً:
للأهل: الحوار المفتوح خير من المصادرة الصامتة. الابن الذي يجد أبويه مُصغيَين لما يشعر به يحتاج الشاشة أقل كثيراً. وأشد ما يضرّ هو أن يكون الأهل أنفسهم مثالاً سيئاً للاستخدام المفرط أمام أبنائهم.
للمدارس: تعليم الثقافة الرقمية بات ضرورةً وليس رفاهيةً. تعليم الشاب كيف يفرّق بين المحتوى الحقيقي والمُصطنع، وكيف يُدير وقته على الشاشة، وكيف يتعامل مع التنمر الإلكتروني هذه مهارات القرن الواحد والعشرين الأساسية.
للمختصين النفسيين: لا يمكن فهم حياة المراهق اليوم دون فهم حياته الرقمية. السؤال عن استخدامه للسوشيال ميديا يجب أن يكون جزءاً ثابتاً من أي تقييم نفسي.
للمنصات: الباحثون صريحون في أن المنصات تتحمل مسؤولية أخلاقية في تصميم خوارزميات لا تستغل هشاشة المراهق. وقد اقترح الباحثون الهنود تحديداً تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لرصد محتوى التنمر والمحتوى المُضرّ والتدخل المبكر.
في الختام
خمسة أبحاث، من خمس مؤسسات، في أربع دول، اتفقت على جملة واحدة:
ليست المشكلة في السوشيال ميديا. المشكلة في كيف نستخدمها، ولماذا، ومتى، وما الذي نحمله في داخلنا حين نفتحها.
والسؤال الذي يستحق أن نحمله معنا ليس: كيف نُبعد شبابنا عن السوشيال ميديا؟
بل: كيف نُعدّهم ليواجهوها بعقل واعٍ وقلب سليم وهوية راسخة
- المصادر العلمية :
① Shannon, H., Bush, K., Villeneuve, P. J., Hellemans, K. G. C., & Guimond, S. (2022)
الاستخدام الإشكالي للسوشيال ميديا لدى المراهقين والشباب
مجلة JMIR Mental Health | جامعة أوتاوا، كندا
② Valkenburg, P. M., Meier, A., & Beyens, I. (2022)
تأثير السوشيال ميديا على الصحة النفسية للمراهقين
مجلة Current Opinion in Psychology | جامعة أمستردام، هولندا
③ Agyapong-Opoku, N., Agyapong-Opoku, F., & Greenshaw, A. J. (2025)
تأثيرات السوشيال ميديا على صحة الشباب النفسية
مجلة Behavioral Sciences | جامعة ألبرتا، كندا
④ Shamsudeen, A., & Ghafoor, M. U. (2025)
تأثير السوشيال ميديا على الصحة النفسية للمراهقين
مجلة Scholars Journal of Applied Medical Sciences | قطر
⑤ Taddi, V. V., Kohli, R. K., & Puri, P. (2024)
السوشيال ميديا وصحة المراهقين الهنود النفسية
مجلة World Journal of Clinical Pediatrics | جامعة أميتي، الهند
